الشيخ الطبرسي
85
تفسير مجمع البيان
وص ، وما أشبه ذلك . وقد ذكرنا ذلك مع غيره من الأقوال في مفتتح سورة البقرة . وقيل : هو الحوت الذي عليه الأرضون ، عن ابن عباس ومجاهد ومقاتل والسدي . وقيل : هو حرف من حروف الرحمن في رواية أخرى ، عن ابن عباس . وقيل : هو الدواة ، عن الحسن ، وقتادة ، والضحاك . وقيل : نون لوح من نور ، وروي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم . وقيل : هو نهر في الجنة . قال الله له : كن مدادا فجمد ، وكان أبيض من اللبن ، وأحلى من الشهد ، ثم قال للقلم : اكتب فكتب القلم ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة ، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام . وقيل : المراد به الحوت في البحر ، وهو من آيات الله إذ خلقها في الماء ، فإذا فارق الماء مات ، كما أن حيوان البر إذا خالط الماء مات ( والقلم ) الذي يكتب به أقسم الله به لمنافع الخلق فيه ، إذ هو أحد لساني الانسان ، يؤدي عنه ما في جنانه ، ويبلغ البعيد عنه ما يبلغ القريب بلسانه ، وبه تحفظ أحكام الدين ، وبه تستقيم أمور العالمين . وقد قيل : إن البيان بيانان : بيان اللسان ، وبيان البنان . وبيان اللسان تدرسه الأعوام ، وبيان الأقلام باق على مر الأيام . وقيل : إن قوام أمور الدين والدنيا بشيئين : القلم والسيف ، والسيف تحت القلم ، وقد نظمه بعض الشعراء ، وأحسن فيما قال : إن يخدم القلم السيف الذي خضعت * له الرقاب ، ودانت حذره الأمم فالموت ، والموت شئ لا يغالبه ، * ما زال يتبع ما يجري به القلم كذا قضى الله للأقلام مذ بريت ، * أن السيوف لها مذ أرهفت خدم ( 1 ) ( وما يسطرون ) أي وما يكتبه الملائكة مما يوحى إليهم ، وما يكتبونه من أعمال بني آدم . فكان القسم بالقلم ، وما يسطر بالقلم . وقيل : إن ( ما ) مصدرية ، وتقديره : والقلم وسطرهم ، فيكون القسم بالكتابة . وعلى القول الأول يكون القسم بالمكتوب ( ما أنت بنعمة ربك بمجنون ) هو جواب القسم ، ومعناه : لست يا محمد بمجنون بنعمة ربك ، كما تقول : ما أنت بنعمة ربك بجاهل ، وجاز تقديم معمولها بالباء ، لأنها زائدة مؤكدة ، وتقديره : انتفى عنك الجنون بنعمة ربك . وقيل : هو كما يقال ما أنت بمجنون بحمد الله . وقيل : معناه بما أنعم عليك ربك من كمال العقل ، والنبوة ، والحكمة ، لست بمجنون أي : لا يكون مجنونا من أنعمنا عليه بهذه النعم . وقيل : معناه ما أنت بمجنون ، والنعمة لربك ، كما يقال :
--> ( 1 ) برى القلم : شقه . وأرهف السيف رققه .